المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ظرف ابن أبي عتيق مع عبدالله بن جعفر



رفيف
30-12-2007, 06:19 PM
ظرف ابن أبي عتيق مع عبدالله بن جعفر

جلس عبدالله بن جعفر يوماً عند عبدالملك بن مروان، فحدثه عن اقلال(1) ابن أبي عتيق(2) وكثرة عياله؛ فأمره عبدالملك أن يبعث به إليه، فأتاه ابن جعفر فأعلمه بما دار بينه وبين عبدالملك وبعثه إليه.

فدخل ابن عتيق على عبدالملك، فوجده جالساً بين جاريتين قائمتين عليه تميسان(3) كغصني بان، بيد كل جارية مروحة، تروح بها عليه، مكتوب بالذهب في المروحة الواحدة:

إنني أجلب الرياح

وبي يلعب الخجل

وحجات إذا الحبيب

ثنى الرأس للقبل

وغياث إذا النديم

تغنى أو ارتجل

وفي المروحة الأخرى:

أنا في الكفّ لطيفه

مسكني قصر الخليفة

أنا لا أصلح إلا

لظريف أو ظريفه

أو وصيف(4) حسن القد

شبيه بالوصيفه

قال ابن أبي عتيق: فلما نظرت إلى الجاريتين هونتا الدنيا عليّ، وأنستاني سوء حالي، ثم قلت: إن كانتا من الإنس فما نساؤنا إلا من البهائم، فلما كررت بصري فيهما تذكرت الجنة، فإذا تذكرت امرأتي ـ وكنت لها محباً ـ تذكرت النار، وبدأ عبدالملك يتوجع لي بما حكى له ابن جعفر عني، ويخبرني بما لي عنده من جميل الرأي؛ فأكذبت له كل ما حكاه له ابن جعفر عني، ووصفت له نفسي بغاية الملا والجدة(5)؛ فامتلأ عبدالملك سروراً بما ذكرت لها، وغما بتكذيب ابن جعفر.

فلما عاد إليه ابن جعفر عاتبه عبدالملك على ما حكاه عني، وأخبره بما حليت(6) له نفسي، فقال: كذب، والله يا أمير المؤمنين، وإنه أحوج أهل الحجاز إلى قليل فضلك، فضلاً عن كثيره.

ثم خرج عبدالله فلقيني، فقال: ما حملك على أن كذبتني عند أمير المؤمنين؟ قلت: أفكنت تراني وقد أجلسني بين شمس وقمر، ثم أتفاقر(7) عنده! لا والله، ما رأيت ذلك لنفسي، وإن رأيته لي.

فلما أعلم بذلك عبدالله بن جعفر عبدالملك بن مروان قال: فالجاريتان له.

قال ابن أبي عتيق: فلما صارتا إليّ زرت عبدالله بن جعفر فوجدته قد امتلأ فرحا وهو يشرب، وبين يديه عس(8) فيه عسل ممزوج بمسك وكافور، فقال: مهيم(9)؟ قلت: قد والله قبضت الجاريتين، قال: فاشرب، فتناولت العس، فجرعت منه جرعة، فقال لي: زد، فأبيت عليه، فقال لجارية له عنده تغنيه: إن هذا قد حاز اليوم غزالتين من عند أمير المؤمنين فخذي في نعتهما، فحركت الجارية العود، ثم غنت:

عهدي بها في الحيّ قد جردت

صفراء مثل المهرة الضامر

قد حجم(10) الثدي على نحرها

في مشرق ذي بهجة ناضر

لو أسندت ميتاً إلى صدرها

قام ولم ينقل إلى قابر(11)

حتى يقول الناس مما رأوا:

يا عجباً للميت الناشر

فلما سمعت الأبيات طربت، ثم تناولت العس، فشربت عللاً(12) بعد نهل، ورفعت عقيرتي أغني:

سقوني وقالوا: لا تغن ولو سقوا

جبال حنين ما سقوني لغنت (13).


الهوامش:

1ـ الاقلال: الفقر.

2ـ ابن أبي عتيق: عبدالله بن أبي عتيق، محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق. حجازي من أهل المدينة. ناقد الحجاز المعروف في زمن عمر بن أبي ربيعة. من نبلاء قريش، اشتهر بالفضل والنسك والظرف. ملأ الحجاز في عصره نقداً ظريفا.

انظر كتاب الدكتور عبدالعزيز عتيق: «ابن أبي عتيق ناقد الحجاز» وقد صدر عن جامعة بيروت العربية عام 1972.

3ـ تميسان: تتبختران.

4ـ الوصيف: الخادم، غلاماً كان أو جارية.

5ـ الملا: سعة العيش: والجدة: الغنى.

6ـ حلى نفسه: وصف حليته.

7ـ تفاقر: أظهر الفقر.

8ـ العس: القدح العظيم.

9ـ مهيم: كلمة استفهام: أي ما حالك وما شأنك أو ما وراءك؟ أو احدث لك شيء؟

10ـ حجم الثدي: نهد.

11ـ قبره: دفنه، أي نقله إلى دافن.

12ـ العلل: الشربة الثانية، أو الشرب بعد الشرب تباعاً، والنهل: الشرب الأول.

13ـ العقد الفريد: 91/4.


المصدر: جمهرة قصص العرب

cute girl
24-01-2008, 11:46 AM
http://www5.0zz0.com/2008/01/24/08/112663973.gif